أحمد مصطفى المراغي

5

تفسير المراغي

ذلك المشركين بعثوا عمرو بن العاص في رهط منهم ذكروا أنهم سبقوا أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى النجاشي فقالوا : إنه قد خرج فينا رجل سفّه عقول قريش وأحلامها ، زعم أنه نبي وأنه بعث إليك رهطا ليفسدوا عليك قومك فأحببنا أن نأتيك ونخبرك خبرهم . قال : إن جاءونى نظرت فيما يقولون ، فلما قدم أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأتوا إلى باب النجاشي قالوا له : استأذن لأولياء اللّه ، فقال ائذن لهم فمرحبا بأولياء اللّه ، فلما دخلوا عليه سلموا فقال لهم ما يمنعكم أن تحيونى بتحيتى ؟ قالوا إنا حييناك بتحية أهل الجنة وتحية الملائكة ، فقال لهم ما يقول صاحبكم في عيسى وأمه ؟ قالوا بقول عبد اللّه ورسوله وكلمة من اللّه وروح منه ألقاها إلى مريم ، ويقول في مريم إنها العذراء الطيبة البتول ، قال فأخذ عودا من الأرض فقال : ما زاد عيسى وأمه على ما قال صاحبكم هذا العود « أي مثله في صغره » فكره المشركون قوله ، وتغيرت له وجوههم ، فقال : هل تقرءون شيئا مما أنزل عليكم ؟ قالوا نعم ، قال فاقرءوا فقرءوا ، وحوله القسيسون والرهبان وسائر النصارى فجعلت طائفة من القسيسين والرهبان كلما قرءوا آية انحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق وهذا ما أشار إليه بقوله « ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون . وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق » . الإيضاح ( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ) أي قسما لتجدن أيها الرسول أشد الناس عداوة للذين صدّقوك واتبعوك وصدقوا بما جئتهم به ، اليهود والمشركين من عبدة الأوثان الذين اتخذوها آلهة يعبدونها من دون اللّه . وأشد ما لاقى النبي صلى اللّه عليه وسلم من العداوة والإيذاء ، كان من يهود الحجاز في المدينة وما حولها ، ومن مشركي العرب ولا سيما مكة وما قرب منها . وقد كان اليهود والمشركون مشتركين في بعض الصفات والأخلاق التي اقتضت عداوتهم الشديدة للمؤمنين كالكبر ، والعتوّ ، والبغي ، وغلبة الحياة المادية ، والأثرة